ثقافة فيلم "شاب من كونغو" في قسم "نظرة ما": رقة ولطف مع عمق اجتماعي وسياسي
بقلم الناقد الطاهر الشيخاوي
رافيكي فريالا مخرج شاب لم يتجاوز الثلاثين عاما، قادم من افريقيا الوسطي، وهو أصيل جمهورية الكونغو الديمقراطية التي هجرها أبوه تجنبا للحرب الأهلية. ظهر على الساحة سنة 2022 بشريط وثائقي "نحن، طلاب" نال اعجاب النقاد والمهرجانات العالمية، وكان تعرض فيه إلى ظروف حياة الشباب الطلابي بافريقيا الوسطى.
يقدم رافيكي فريالا إلى مهرجان كان في دورته الـ79 مع عدد قليل جدّا من الأفلام الإفريقية بأوّل عمل روائي له في قسم "نظرة ما".
بالرغم من طابعه الروائي، لا يدعي "شاب من كونغو" الابتعاد على جنس الفيلم الوثائقي في شكله ومضمونه. ابتعاده عن عقدة السموّ الروائي زاد في أهميته ورقته. تعامله البسيط مع الواقع أضفى عليه عمقا ومصداقية.
الأحداث مستوحاة من حياة المخرج : روبير، شاب لم يبلغ نهاية دراسته الثانوية، يجد نفسه فجأة مسؤولا على عائلة بأكملها بعد أن تمّ سجن أبيه وأمّه باعتبارهما لاجئين. لا يدّخر جهدا في متابعة دروسه للحصول على شهادة الباكالوريا طبقا لنصائح ابيه وفي الوقت ذاته لا يرفض أي عمل مهما كانت بساطته لتوفير العيش لأخوته ولرعايتهم.
وإلى جانب ذلك وخلافا لرغبة والده الملحّة، تحرّكه رغبةٌ جامِحة في اثبات قدراته الموسيقية.
تكمن قيمة الفيلم في قدرة رافيكي فريالا على الجمع بين هذه الأبعاد لا على أساس التراكم الكمّي وإنما في تظافر لطيف لها. ليس من السهل ألا تؤدي جهود الشاب روبير المكثّفة إلى التضخيم والامتناع على التشديد على بطوليته إلاّ أنه يبدو لنا في صورة عادية جدّا.
يتحفظ المخرج في ابراز اندفاع الشاب تحفظا لافتا يتعارض تماما مع المبالغة السائدة في الأفلام والمسلسلات العربية والإفريقية. الأمر يستدعي المهارة والصدق والتواضع في نفس الوقت لأنه ليس يسيرا كبح الممثل لتجنّبِ التّصنّع - وهو الأهم - فيصبح أداؤه لونا من التصرف العادي اليومي قد لا يظهر للمشاهد العادي.
قد تتوفر المهارة لدى سينمائيينا لكن كثيرا ما تؤدي ندرتُها إلى التظاهر والتباهي. فالفقر الاجتماعي لا تعوضه المؤثرات السمعية البصرية. العجيب أن الفيلم لا يخلو من مشاهد موسيقية قد تشجّع على تغليب التكلّف الفرجوي، إلاّ أنه منعدم تماما كما أنّ المأساة بالرغم من عمقها لا تمنع من تصوير المرح والبهجة. فتراجيديا هذه العائلة المنتمية للثقافة الإسلامية تتمثل في أنها تتعرض إلى أبشع أنواع العنف والظلم في سياق كان يعتقد والده أنه أسلم من ذلك الذي ابتعد عنه.
كل هذا جعل مردود الفيلم دسما للغاية، تظافرت فيه الجوانب الحميمية العائلية وتلك المتعلقة بالمجتمع والسياسة. عمل يستحق التنويه ومتابعة رافيكي فريالا في مسار سينمائي واعد.